مساهمات و آراء

عادل تشيكيطو رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان الحكومة المغربية اختارت أن تتعامل مع المنظمات الحقوقية بمنطق الأذن الصماء

اعتبر رئيس “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” عادل تشيكيطو، أن كل الجهود التي بذلتها الدولة المغربية خلال العشرية الماضية لبناء دولة حقوق الإنسان تتبدد حاليا. وأوضح في حوار لـ”القدس العربي” أن حال الطوارئ الصحية المستمرة إلى الآن كشفت عن “ظواهر جديدة من الشطط في استعمال السلطة، وارتفعت حالات المواجهة بين السلطة والمنظمات الحقوقية، وتكاثرت قضايا ملاحقة الصحافيين والصحافيات والمدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان”. وأضاف قائلا إن “ذوي النيات القمعية الذين كانوا يتحينون الفرص لقمع وتكميم أفواه المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، خرجوا إلى ممارسة شعائرهم الماضوية في العلن”.

عادل تشيكيطو (وهو حقوقي وإعلامي وبرلماني سابق) قال أيضا إن المنظمات الحقوقية تصارع اليوم فقط من أجل الحفاظ على المكتسبات وعدم تبديد كل تلك الجهود التي بذلتها خلال سنوات من النضال والتي تجاوبت معها الدولة بعد مخاض عسير.

وفي ما يلي نص الحوار:

*ما هي رهاناتكم في المرحلة الجديدة “للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان”؟

** لابد من التأكيد بداية على أننا نعيش مرحلة دقيقة على المستوى الوطني، تتأثر بسياق دولي يطبعه القلق والترقب، جراء تغير معالم الحياة بسبب انتشار وباء كوفيد- 19 هذا الأخير الذي ساهم بشكل كبير في اتخاذ دول العالم بأسره والمغرب على وجه الخصوص لمجموعة من التدابير الاحترازية التي قيدت الحريات، وجثمت على عدد من الحقوق.

وقد تفاعل المواطن المغربي مع بداية فرض الحجر المنزلي مع تلك الإجراءات، رغم صعوبتها، وأبدى استعداده للتنازل عن عدد من حقوقه الأساسية بروح وطنية وحس إنساني وبنفس مفعم بالإرادة الجماعية للقضاء على الجائحة حتى تعود الحياة إلى سابق عهدها، خالية من أي تهديد وبائي قد يؤدي إلى إزهاق أرواح الكثيرين. لكن، مع الأسف الشديد، وبسبب الغلو في تطبيق المساطير القانونية التي تضمنها المرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام خاصة بحال الطوارئ الصحية، وجدنا أنفسنا أمام ظواهر جديدة من الشطط في استعمال السلطة، وارتفعت حالات المواجهة بين السلطة والمنظمات الحقوقية، وتكاثرت قضايا ملاحقة الصحافيين والصحافيات والمدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وهو ما جعلنا في “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” خلال هذه المرحلة نوجه جهودنا نحو المبادرات الرامية إلى نشر وإشاعة ثقافة وقيم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والمساهمة في حمايتها والدفاع عنها، والعمل الجماعي من أجل تفعيل “الميثاق الوطني لحقوق الإنسان” والالتزام بنشر وتعميق مفاهيم مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في جميع أصولها ومصادرها كما نص عليها الإسلام وأكدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق والمعاهدات الدولية.

وبما أن دورنا ليس فقط هو التوعية والتحسيس والمساهمة في صناعة نقاش وطني حول قضايا حقوق الإنسان، ولأن أدوارنا الرئيسية تلامس حدود الإشارة إلى الخروقات والتجاوزات التي تعيشها بلادنا، وبتزايد حالات الاعتقال والتعسف الذي يستهدف المواطنين وكذا المناضلات والمناضلين، فإننا نجد أنفسنا اليوم أمام رهان حماية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان من التضييق والهجوم والاستهداف الذي يتعرضون له سواء عبر تلفيق التهم، والمتابعات الجنائية، أو عبر القتل الرمزي باستغلال المنابر الإعلامية المتخصصة في التشهير والمستفيدة من الحماية والدعم، بالإضافة إلى التضييق على الجمعيات والمنظمات الحقوقية بحرمانها من وصولات الإيداع وعقد الاجتماعات والتجمعات العمومية وحرية التظاهر السلمي، وهو الأمر الذي سبق أن أشارت إليه العصبة في مؤتمرها الأخير من خلال رفعها لشعار: “حماية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، دعامة للحقوق والحريات”. مع الأسف عوض أن نساهم في نقل بلادنا نحو مصاف الدول التي تراهن على توفير الأجيال الجديدة لحقوق الإنسان، صار رهاننا اليوم هو النضال من أجل  خلق بيئة آمنة وتمكينية للحقوقيات والحقوقيين  للاضطلاع بأدوارهم.

لذلك، فإننا نرى أنه على العقل الحقوقي للدولة أن يراجع حساباته في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان بشكل عام وأن يوقف حملة الخصومة مع الجسم الحقوقي.

وسقطت ورقة التوت

*كيف تقيمون الوضع الحقوقي في المغرب حاليا؟

** أحاول جاهدا كفاعل حقوقي أن أكون إيجابيا في تناولي للوضعية الحقوقية في بلادنا، لكن الواقع لا يرتفع، فقد ألقى تفشي جائحة “كورونا” بظلاله على وضع حقوق الإنسان في المغرب، وتصدرت هفوات الحكومة حديث المواطنين، بدءا من عملية إغلاق الحدود وخلق فئة جديدة من المغاربة سُمّيت بالمغاربة العالقين، مرورا بالتباطؤ الاقتصادي الذي قوّض بدوره الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لملايين المواطنين، كما أدى الحجر الصحي إلى زيادة مستويات العنف المنزلي وسوء المعاملة، وكذا عدم تحمل الحكومة مسؤولياتها في ما يتعلق بمراقبتها لأماكن العمل المتجلية في المصانع والمعامل التي استمرت عمليتها الإنتاجية والتي تحولت بين عشية وضحاها وخصوصا بعد مرحلة رفع الحجر المنزلي إلى بؤر وبائية، ساهمت بشكل أساسي في الارتفاع الصاروخي لأعداد المصابين، بعدما عشنا فترات أمل في التمكن من الفيروس ومحاصرته.

ولعل من أهم القطاعات التي عرت فترة حال الطوارئ الصحية عن الاختلالات التي تعيشها بسبب تراكم سنوات سوء التدبير والفساد، قطاعي الصحة والتعليم، حيث اتضح أن قطاع الصحة على وجه التحديد لم يكن مستعدا من حيث بنياته التحتية لمواجهة هذه الفترة العصيبة، إذ أن عددا من المستشفيات ومراكز العلاج سقطت عنها ورقة التوت، وتبين أنها مجرد بنايات لا تصلح أبدا لتقديم خدمة أساسية تسهر على صحة وسلامة المواطنات والمواطنين، كما أن قطاع التعليم هو أيضا تبين أنه يعاني فقرا على مستوى الإمكانيات اللوجستيكية والبنيات التحتية، خصوصا عندما تم وضعه أمام سؤال القدرة على مواكبة منهاج التعليم عن بعد، ومواجهة “لوبي” التعليم الخصوصي ورضوخه لضغوط متعددة “للوبيات” على حساب مبادئ أساسية من أهمها مبدأ المجانية.

لقد كشفت فترة الطوارئ المستمرة لحد الآن عن الوجه القمعي للدولة، وأظهر عدد من المسؤولين بها عن نواياهم الاستبدادية، وسارع آخرون إلى استغلال هذه الفترة في التصفية المعنوية واعتقال الصحافيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وخرج ذوو النيات القمعية الذين كانوا يتحينون الفرص لقمع وتكميم أفواه المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى ممارسة شعائرهم الماضوية في العلن.

لا أريد أن أقول إننا لم ندفن الماضي، وإن المصالحة وجهود الإنصاف ودولة الحق والقانون وفصل السلط والسلطة في خدمة المواطن مجرد شعارات، لكن سأقول بكل حسرة إن كل الجهود التي بذلتها الدولة خلال العشرية الماضية لبناء دولة حقوق الإنسان تتبدد.

ضحايا الحق في الرأي

*هل بالإمكان الحديث عن دخول جيل جديد من الحقوق في المغرب؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي ملامحه وخصائصه؟

**من الصعب الحديث عن دخول جيل جديد من الحقوق للمغرب، ما دمنا لم نحقق ما نصبو إليه منذ عشرات السنين من حقوق أساسية، قد يصح تصنيفها ضمن الحقوق الزرقاء، أي الجيل الأول من الحقوق، وهي مدنية وسياسية بطبيعتها، أو الحقوق الحمراء المرتكنة داخل خانة الجيل الثاني من الحقوق، وهي المرتبطة أساسا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أقول من الصعب الحديث عن جيل جديد من الحقوق بالمغرب حتى من باب التسويق الدولي لسمعة المغرب الحقوقية، والكل يعرف أننا ما زلنا نصارع الإكراهات التي تتداخل فيها عوامل اقتصادية وسياسية وتاريخية وعقائدية، من باب الضحك على الذقون أن نسوق لفكرة أن المغرب يفكر في التعامل مع جيل جديد من الحقوق، ونحن ما زلنا نناضل من أجل إطلاق سراح معتقلي الريف ومعتقلي الرأي ونطالب بالإفراج عن توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني وعمر الراضي وغيرهم من الصحافيين والمدونين الذي راحوا ضحية استعمالهم لحقهم في الرأي الذي ينص عليه الفصل 25 من الدستور وتضمنه المواثيق الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان من خلال المادة 19 والعهد الدولي للحقوق المدينة والسياسية الذي يلزم الدول الموقعة عليه كالمغرب بضرورة احترام مادته التاسعة عشرة.

*هل تعامل السلطات المغربية، التشريعية والتنفيذية والقضائية، مع القضايا والانشغالات الحقوقية، يسير بالإيقاع نفسه الذي يميز نشاط منظمات حقوق الإنسان؟

** من الصعب جدا أن تساير سلطات أي بلد مهما كانت درجة احترامه لحقوق الإنسان نشاط منظماتها الحقوقية، فكلما تحققت المطامح عبر برامج حكومية لبعض البلدان، ارتفع سقف المطالب من جهة المنظمات الحقوقية لذلك البلد، هذا من الناحية المبدئية؛ لكن في المغرب كما قلت في السابق المنظمات الحقوقية تصارع اليوم فقط من أجل الحفاظ على المكتسبات وعدم تبديد كل تلك الجهود التي بذلتها خلال سنوات من النضال والتي تجاوبت معها الدولة بعد مخاض عسير.

الواقع اليوم في المغرب يؤكد حقيقة ساطعة تتجلى في كون المنظمات الحقوقية تسير بسرعة، فيما اتفقت سلطات المغرب باختلاف اختصاصاتها أن تسير أبطأ إن لم نقل إنها تتدحرج نحو السفح، ولا أدل على كل هذا فشلها مثلا في تدبير جائحة كوفيد-19 خاصة فيما يتعلق بالآثار الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عنها.

منزلقات حقوقية

*وأي وقع لمواقفكم وتقاريركم الدورية لدى الأجهزة الحكومية وغيرها؟

** بشكل عام، تجاوب الأجهزة الحكومية شبه منعدم مع تقاريرنا ومطالبنا، إلا إذا استثنينا بعض الحالات المحصورة والمرتبطة بسياقات معينة، فلو اشتغلت آليات التجاوب الحكومي مع مواقفنا ومطالبا وتنبيهاتنا واقتراحاتنا بشكل إيجابي لتفادت الحكومة والدولة بشكل عام الوقوع في العديد من المنزلقات الحقوقية. لقد نبهنا الحكومة على سبيل المثال إلى الانهيار الجزئي والمستمر للمنظومة الصحية، وانهيار قطاعات اقتصادية ومقاولات عمومية، وإلى الكف عن محاولة تمرير تشريعات تحمل تهديد للحقوق والحريات الدستورية من قبيل ترسيم العمل المؤقت ضدا على فلسفة مدونة الشغل، ومحاولة تمرير مشروع القانون التكبيلي للاضراب من خلال برمجته للمناقشة ما بين الدورتين التشريعيتين، وطالبناها في مناسبات متعددة بتصفية ملف المغاربة العالقين ووضع حلول عاجلة لمشاكلهم، وبتفعيل الالتزامات الدستورية المتعلقة بالحقوق والحريات، وفي مقدمتها المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، بعد المصادقة عليها ونشرها بالجريدة الرسمية، والدعوة إلى سحب الإعلانات التفسيرية التي تحد من إعمال مضامين هذه المواثيق، لاسيما ما يتعلق باتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. وشددنا في مناسبات متعددة على ضرورة التصدي للفساد الإداري وتفعيل المتابعة القضائية في حق ناهبي المال العام، ووضع حد للتبذير والامتيازات واقتصاد الريع وتجديد الثروة والإجابة الصريحة عن سؤال أين الثروة؟ وتوزيعها بشكل عادل من خلال تشريعات تضمن حقهم الاقتصادي والاجتماعي، لكن لا حياة لمن ننادي، فالحكومة اختارت أن تتعامل مع المنظمات الحقوقية بمنطق الآذان الصماء.

*هل هناك تنسيق بينكم وبين المنظمات المغربية الأخرى ذات الاهتمامات الحقوقية؟

** طبعا، لا يستقيم أي عمل ينصب في اتجاه تحقيق مطالب حقوقية دون التعاون والتنسيق بين المنظمات الحقوقية، ولعل أبرز تنسيق بين العصبة وهذه المنظمات يتجسد من خلال التعاون داخل الائتلافات والتنسيقيات والشبكات الجمعوية الحقوقية، كـ”الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان” و”الائتلاف المغربي لمناهضة عقوبة الإعدام” و”التنسيقية المغاربية لحقوق الإنسان” و نحن اليوم بصدد التهيؤ لتجديد الدماء في مجلس للتنسيق بيننا وبين جمعية حقوقية مغربية صديقة.

درب النضال

* أن تكون على رأس منظمة حقوقية، ألا يجعلك تؤدي “ضريبة” ما، نتيجة مواقفك والتزاماتك وتصريحاتك؟

**طريق النضال في مجال حقوق الانسان بالمغرب ليست مفروشة بالورود، فهي على عكس ذلك مليئة بالمخاطر والمجازفات، وفي كل موقف أو مبادرة لابد أن تجد نفسك في مواجهة جهة ما لن تدع مواقفك ومبادراتك النضالية تمر دون أن ترد لك الصاع صاعين وتهاجمك بكل الوسائل المتاحة لها، وبينها بعض المنابر الإعلامية إن صح تصنيفها إعلاما والتي اختصت في التشهير والسب والقذف.

المصيبة العظمى أن جرائم تلك المناشف الإعلامية تتم أمام أنظار السلطات المختصة، لكن تلك السلطات لا ترى سوى ما أمرت بالنظر إليه، وتتحاشى النظر فيما قد يمس سمعة الفاعل الحقوقي.

لقد خُيّرتُ قبل أن أترشح لقيادة “العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان” بين الاستعداد لحملات التضييق والتشهير وربما أكثر من ذلك، وبين أن أضع رأسي بين الرؤوس وأرضى بما هو قائم حاليا، فاخترت درب النضال، لذلك فلا تهم الضريبة ما دمنا على إيمان بأننا سنصل إلى مبتغانا ومبتغى الشعب المغربي، الحالم بمغرب الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى